أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

510

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

التكسير يجري مجرى المؤنث مجازا . وأما قراءة التاء من فوق فيحتمل أن يكون في « كادَ » ضمير الشأن ، كما تقدم ، و « قُلُوبُ » مرفوع ب « تزيغ » وأنث لتأنيث الجمع ، وأن يكون « قُلُوبُ » اسمها ، و « تزيغ » خبر مقدم ، ولا محذور في ذلك ، لأن الفعل قد أنث . قال الشيخ « 1 » : وعلى كل واحد من هذه الأعاريب الثلاثة إشكال على ما تقرر في علم النحو من أن خبر أفعال المقاربة لا يكون إلّا مضارعا رافعا ضمير اسمها ، فبعضهم أطلق ، وبعضهم قيد بغير « عسى » من أفعال المقاربة ، ولا يكون سببا ، وذلك بخلاف « كان » فإن خبرها يرفع الضمير والسببيّ لاسم « كان » ، فإذا قدرنا فيها ضمير الشأن كانت الجملة في موضع نصب على الخبر ، والمرفوع ليس ضميرا يعود على اسم « كادَ » ، بل ولا سببا له . وهذا يلزم في قراءة الياء أيضا . وأما توسط الخبر فهو مبني على جواز مثل هذا التركيب في مثل ( كان يقوم زيد ) ، وفيه خلاف والصحيح المنع . وأما الوجه الأخير فضعيف جدا ، من حيث أضمر في « كادَ » ضميرا ، ليس له على من يعود إلّا بتوهم ، ومن حيث يكون خبر « كادَ » رافعا سببيا . قلت : كيف يقول : والصحيح المنع ؟ وهذا التركيب موجود في القرآن ، كقوله تعالى : ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ ، و كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا ، وفي قول امرئ القيس : 2571 - وإن تك قد ساءتك منّي خليقة * . . . « 2 » فهذا التركيب واقع ، لا محالة . وإنما اختلفوا في تقديره : هل من باب تقديم الخبر ، أم لا ؟ فمن منع ، لأنه كباب المبتدأ والخبر الصريح ، والخبر الصريح متى كان كذلك امتنع تقديمه على المبتدأ ، لئلا يلتبس باب الفاعل ، فكذلك بعد نسخه ، ومن أجاز فلأ من اللبس . ثم قال الشيخ « 3 » : ويخلّص من هذه الإشكالات اعتقاد كون « كادَ » زائدة ، ومعناها مراد ، ولا عمل لها إذ ذاك في اسم ولا خبر ، فتكون مثل « كان » إذا زيدت ، يراد معناها ، ( ولا عمل لها ) ، ويؤيد هذا التأويل قراءة ابن مسعود « من بعد ما زاغت » بإسقاط « كادَ » ، وقد ذهب الكوفيون إلى زيادتها في قوله تعالى : « لَمْ يَكَدْ يَراها » مع تأثرها بالعامل ، وعملها فيما بعدها ، فأحرى أن يدعي زيادتها ، وهي ليست عاملة ولا معمولة . قلت : زيادتها أباه الجمهور ، وقال به من البصريين الأخفش ، وجعل منه « أَكادُ أُخْفِيها » ، وتقدم الكلام على ذلك أوائل هذا الكتاب . وقرأ الأعمش ، والجحدري « تزيغ » بضم التاء ، وكأنه جعل « أزاغ » ، « وزاغ » ، بمعنى . وقرأ أبيّ « كادت » بتاء التأنيث . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 118 إلى 120 ] وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 118 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ( 119 ) ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( 120 )

--> ( 1 ) انظر المصدر السابق . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 109 ) .